سيف الدين الآمدي

82

غاية المرام في علم الكلام

الطرف الثالث في إثبات صفة القدرة « 1 » ويجب أن يكون الباري - تعالى - قادرا بقدرة ، لضرورة ما أسلفناه من البيان ، وأوضحناه من البرهان ، في مسألة العلم والإرادة ، ويجب أن تكون

--> ( 1 ) عبارة عن صفة وجودية ، من شأنها تأتي الإيجاد ، والإحداث بها على وجود يتصور ممن قامت به الفعل ، بدلا عن الترك ، والترك بدلا عن الفعل . وهي منقسمة : إلى قديم ، وحادث . أما القدرة الحادثة : فسيأتي الكلام فيها وفيما يتعلق بها فيما بعد . وأما القدرة القديمة : فقد احتج الأصحاب على ثبوتها للّه - تعالى - بالنص ، والمعقول . أما النص : فقوله - تعالى - أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ فصلت : 15 ] ، وقوله - تعالى - واصفا لنفسه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] قوله - تعالى - : الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [ هود : 66 ] . فإن قيل : الاستدلال بالنصوص على وصفه بالقدرة ؛ فرع إثبات صفة الكلام ، وهو غير ثابت بعد ؛ فلا يصح الاحتجاج بها . وإن صح الاحتجاج بها ؛ إلا أنها متروكة الظاهر ؛ فإن القوة في الحقيقة : عبارة عن الصلابة المناقضة للخور ، واللّه - تعالى - يتقدس عن الاتصاف بذلك . وإذا آل الأمر إلى التجوز ؛ فليس حمل القوة على القدرة ، بأولى من حملها على كونه بحال يصدر عنه جميع الموجودات . والجواب : أما السؤال الأول : فمندفع ؛ وذلك أنه لا يخلو : إما أن تكون صفة الكلام ثابتة ، أو غير ثابتة . فإن كان الأول : فقد صح الاستدلال . وإن كان الثاني : فليس من شرط الدليل أن يكون مسلما ؛ بل شرطه أن يكون بحال يمكن تسليمه بالدلالة عليه وتقريره ، وإثبات صفة الكلام بهذه الحالة ؛ فإنا سنبين كونها ثابتة فيما بعد . وما ذكروه من مخالفة الظاهر ؛ ممنوع ؛ فإن القوة وإن كانت في أصل الموضوع عبارة عن الصلابة كما ذكروه ؛ إلا أن استعمالها بإزاء القدرة مجاز مشهور . ولهذا إذا قيل فلان قوي على كذا ، تبادر إلى الفهم منه عند الإطلاق ؛ أن له عليه قدرة ، ولا كذلك ما ذكروه من التأويل والذي يدل على امتناع الحمل على ما ذكروه من المجاز قوله - تعالى - : هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً فقد أثبت لهم أصل القوة ، وهي غير مفسرة في حقهم بالإيجاد ، فإنا سنبين أنه لا موجد غير اللّه - تعالى - فتعين تفسير القوة بما ذكرناه . وبالجملة فطريق الاستدلال في هذا الباب بالنصوص المذكورة لا يخرج عن الظن ، والتخمين ؛ وهو غير مكتفى به في اليقينيات . أبكار الأفكار ( 1 / 199 ) .